Qaed

Share to Social Media

وقف سامي وماري في مواجهة ألفريد داخل القصر المهجور.
كانت القاعة الكبيرة غارقة في الظلال، والصمت الثقيل يملأ المكان.
أما ألفريد فبدا هادئًا على نحو مخيف، كأنه يسيطر على كل شيء، وكأنه انتظر هذه اللحظة سنوات طويلة.
قالت ماري بصوت متوتر:
"ماذا تقصد بقولك إن الوقت حان لأعرف من أكون؟"
ابتسم ألفريد، ثم بدأ ينزل درجات السلم ببطء.
وقال:
"لأنكِ عشتِ حياتك كلها وأنتِ لا تعرفين الحقيقة."
نظرت إليه بغضب.
"أي حقيقة؟"
توقف أمامها مباشرة.
وقال:
"الحقيقة التي أخفاها والدك."
شحب وجه ماري، أما سامي فتوتر جسده بالكامل.
أخرج ألفريد ملفًا قديمًا من حقيبته، وألقاه فوق الطاولة القريبة.
ثم قال:
"افتحيه."
ترددت ماري، لكنها اقتربت في النهاية، وفتحت الملف.
كانت بداخله وثائق قديمة، وشهادات رسمية، وصور تعود إلى أكثر من عشرين عامًا.
بدأت تقلب الصفحات، ثم فجأة توقفت..شعرت بأن قلبها توقف عن النبض..رفعت رأسها ببطء.
وقالت:
"هذا مستحيل."
لكن الوثائق كانت واضحة، والأسماء كانت واضحة، والتواريخ أيضًا.
لم تكن ماري الابنة البيولوجية لتوماس تشارلي.
ارتجفت يداها، وأعادت النظر إلى الأوراق، مرة أخرى..لكن الحقيقة لم تتغير.
كانت قد تبنت وهي رضيعة بعد وفاة والديها الحقيقيين في حادث قديم.
حادث ارتبط بشكل مباشر بالقضية التي دمرت حياة الجميع لاحقًا.
شعرت وكأن العالم كله يدور حولها..تراجعت خطوة للخلف، حتى كادت تسقط.
لكن سامي أمسك بها بسرعة. كان أول شخص وصلت إليه يدها وسط تلك الصدمة.
همست بصوت مرتجف:
"لا... هذا غير حقيقي..."
نظر إليها سامي بحزن، لكنه لم يستطع الكذب، لأنه رأى الحقيقة بنفسه داخل الوثائق.
قال ألفريد:
"والدك كان يعلم."
رفعت ماري رأسها نحوه، وقد امتلأت عيناها بالدموع.
"كاذب."
ابتسم ألفريد.
"بل كان يعرف كل شيء."
في تلك اللحظة أخرج ألفريد جهازًا صغيرًا، وضغط زر التشغيل، فانطلق تسجيل صوتي قديم.
وسمعوا صوت توماس تشارلي، والد ماري.
قال الصوت:
"إذا وصلت هذه الرسالة إلى ماري يومًا ما... فاعلمي أنني أحببتك كابنتي منذ اللحظة الأولى."
انهمرت دموع ماري فورًا.
أكمل التسجيل:
"لم أخبرك بالحقيقة لأنني كنت أخشى أن يؤذيك الماضي."
توقف صوته للحظة، ثم تابع:
"بالنسبة لي... كنتِ دائمًا ابنتي. ولن يغير أي شيء ذلك."
انهارت ماري باكية، لكن شيئًا آخر أصبح واضحًا. ألفريد لم يكشف الحقيقة ليحميها، بل ليؤذيها.
وليحطم كل ما تؤمن به.
قال سامي ببرود:
"انتهيت؟"
نظر إليه ألفريد، ثم ضحك.
"لا."
أخرج ظرفًا آخر، ووضعه على الطاولة.
ثم قال:
"هذه هي الحقيقة التي تهمك أنت يا سامي."
تجمد سامي..شعر بشيء ثقيل يضغط على صدره..فتح الظرف، وبدأت ملامحه تتغير تدريجيًا.
اختفت الصلابة من وجهه، وحل مكانها الذهول، ثم الألم، ثم الصدمة.
قالت ماري بقلق:
"سامي؟"
لكنه لم يرد..ظل يحدق في الأوراق فقط.
اقتربت منه، وأخذت إحدى الصفحات، ثم قرأتها، وشعرت بالصدمة هي الأخرى.
كانت الوثائق تكشف أن والدَي ماري الحقيقيين توفيا نتيجة سلسلة من الأحداث بدأت بسبب المخطط المالي
الذي نفذه ألفريد. لكن اسم سامي ظهر داخل الملف أيضًا، ليس كمذنب، بل كشخص كان موجودًا في تلك الأحداث.
شخص حاول إيقاف الكارثة، لكنه فشل.
رفع سامي رأسه أخيرًا، وكانت عيناه مليئتين بالألم.
وقال بصوت منخفض:
"كنت هناك."
ساد الصمت..أكمل:
"حاولت منع ما حدث."
ثم أغمض عينيه.
"لكنني لم أستطع."
شعرت ماري بأن قلبها ينكسر، ليس لأنها تلومه، بل لأنها رأت حجم الذنب الذي حمله وحده طوال تلك السنوات.
قال ألفريد مبتسمًا:
"والآن أخبرني يا سامي... هل ما زلت تعتقد أنك تستحق السعادة؟"
لأول مرة منذ سنوات طويلة...لم يجد سامي جوابًا.
ظل واقفًا بصمت، غارقًا في الذنب، وفي ذكريات لم تفارقه يومًا.
لكن ماري تقدمت نحوه، وأمسكت يده، أمام ألفريد، وأمام الجميع.
نظرت مباشرة إلى سامي.
وقالت:
"أنت لست المسؤول."
رفع رأسه نحوها.
وأضافت:
"المذنب الحقيقي يقف أمامنا."
وأشارت إلى ألفريد.
اختفت الابتسامة من وجه ألفريد لأول مرة.
قالت ماري بحزم:
"لقد قضيت سنوات تحاول تدمير حياة الآخرين حتى تخفي جرائمك."
ثم نظرت إلى سامي.
وأضافت:
"وأنا لن أسمح لك أن تدمر حياته أيضًا."
ساد الصمت داخل القاعة، لكن شيئًا تغير في تلك اللحظة. للمرة الأولى منذ سنوات...شعر سامي أن أحدًا
يقف إلى جانبه بالكامل، دون شك، ودون خوف، ودون شروط.
أما ألفريد...فأدرك أن خطته بدأت تنهار، لكن الأخطر كان ما قاله بعد ذلك.
ابتسم ابتسامة غامضة.
ثم قال:
"إذا كنتم تعتقدون أن هذه نهاية اللعبة... فأنتم لا تعرفون شيئًا بعد."
وفي اللحظة نفسها...سمع الجميع صوت صفارات الشرطة تقترب من القصر.
تغيرت ملامح ألفريد فجأة، ولأول مرة ظهر الخوف في عينيه، لكن قبل أن يتمكن أحد من التحرك...
استدار نحو باب خلفي سري كان مخفيًا داخل الجدار، واختفى في الظلام.
ركض سامي نحوه، لكن الأوان كان قد فات. كان ألفريد قد هرب، من جديد.
وبينما كانت الشرطة تقتحم القصر...وقف سامي وماري وسط الفوضى، ينظران إلى بعضهما.
وكأن كل الأسرار التي فرقت بينهما بدأت أخيرًا تتلاشى. لكن كلاهما كان يعلم شيئًا واحدًا.
المعركة لم تنتهِ بعد، وألفريد ما زال حرًا، والمواجهة الأخيرة تقترب بسرعة.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.