Qaed

Share to Social Media

ظل سامي وماري جالسين أمام شاشة الحاسوب لفترة طويلة بعد انتهاء الفيديو.
لم يتحدث أي منهما.
كانت كلمات توماس تشارلي تتردد داخل رأسيهما بلا توقف.
"سامي... إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فأنا أطلب منك أن تحمي ابنتي مهما حدث."
كيف عرف والد ماري سامي؟ وكيف طلب منه حمايتها قبل سنوات طويلة من لقائهما؟
كان الأمر مستحيلًا، أو هكذا ظنت ماري.
في صباح اليوم التالي بدأ سامي بالبحث في أرشيفه الشخصي.
كانت هناك ملفات قديمة لم يفتحها منذ سنوات، وثائق، رسائل، ومذكرات تخص القضية التي دمرت حياة كثيرين.
وبين تلك الملفات وجد شيئًا مهمًا، رسالة بخط يد توماس تشارلي. رسالة احتفظ بها طوال تلك السنوات.
جلس مع ماري داخل مكتبه، ووضع الرسالة أمامها.
ارتجفت أصابعها وهي تفتحها، ثم بدأت تقرأ..كل كلمة كانت تجعل قلبها ينبض أسرع.
كتب والدها في الرسالة:
"سامي...إذا فشلت في إيقاف ما يخطط له ألفريد، فقد لا أتمكن من حماية عائلتي.
أعرف أنك الوحيد الذي ما زال يقاتل من أجل الحقيقة، ولهذا أثق بك.
إذا حدث لي شيء، أرجوك لا تسمح بأن تدفع ابنتي ثمن أخطائنا."
توقفت ماري عن القراءة، وامتلأت عيناها بالدموع.
قالت بصوت مرتجف:
"لقد كان يثق بك."
أجاب سامي بهدوء:
"كان من أكثر الرجال شرفًا الذين عرفتهم."
نظرت إليه، ولأول مرة أدركت أن الرابط بينهما بدأ قبل سنوات طويلة من لقائهما، ربما قبل أن تعرف
هي حتى بوجوده.
في الأيام التالية، بدأت أجزاء الحقيقة تتجمع.
اكتشفا أن توماس تشارلي وجاك أوليفر وسامي كانوا يحاولون كشف عمليات احتيال مالية ضخمة نفذها
ألفريد سرًا، لكن ألفريد سبقهم، لقد زور الأدلة، وألقى الشبهات على الآخرين، ثم اختفى خلف واجهة الرجل
المحترم لسنوات طويلة.
أما لاريسا...فكانت تحمل أخطر دليل على الإطلاق، لأنها كانت شاهدة على كل شيء، ولهذا اختفت.
ولهذا كان ألفريد يلاحقها، ولهذا كان سامي يحاول الوصول إليها منذ سنوات.
ومع كل حقيقة جديدة تظهر...كانت المسافة بين سامي وماري تختفي أكثر.
لم يعد أي منهما قادرًا على إخفاء مشاعره، لكن الخوف كان ما يزال موجودًا.
خوف من المستقبل، وخوف من النهاية التي قد تنتظر هذه القصة.
في إحدى الأمسيات خرجا إلى المكان المرتفع الذي أصبح ملاذهما الخاص.
المكان الذي يطل على أضواء لندن كلها..وقفا بصمت، والهواء البارد يداعب وجهيهما.
قالت ماري فجأة:
"هل تؤمن بالقدر؟"
ابتسم سامي.
"كنت أظن أنني لا أؤمن به."
"والآن؟"
نظر إليها، وقال:
"الآن لست متأكدًا."
شعرت بحرارة تسري في قلبها، لأنها فهمت ما يقصده.
سألت بهدوء:
"هل ندمت يومًا على المجيء إلى لندن؟"
ابتسم، ثم هز رأسه.
"أبدًا."
ابتسمت هي أيضًا، وكانت تلك الابتسامة أجمل من كل شيء حوله.
ساد الصمت مجددًا، لكنه لم يكن صمتًا محرجًا، بل صمت شخصين يعرفان أن شيئًا مهمًا يحدث بينهما.
شيئًا أكبر من الكلمات، وأصدق من أي اعتراف.
اقترب سامي خطوة واحدة، ونظرت إليه ماري. كانت دقات قلبها تسمعها بوضوح، وشعر سامي بالأمر نفسه.
هذه المرة لم يكن هناك هاتف يرن، ولا اجتماع يقاطعهما، ولا أحد حولهما، فقط هما، واللحظة التي انتظراها طويلًا.
رفع سامي يده ببطء، وأبعد خصلة من شعرها تحركت مع الريح.
ثم قال بصوت منخفض:
"ماري..."
لكن قبل أن يكمل...اهتز هاتفها فجأة.
أغمض سامي عينيه باستسلام، فضحكت ماري رغم توترها، لكن الضحكة اختفت فورًا عندما قرأت الرسالة.
كانت من رقم مجهول، وتحتوي على موقع جغرافي، وصورة.
فتحت الصورة، وشعرت بأن أنفاسها توقفت..كانت لاريسا، هذه المرة بوضوح كامل، وكانت حية.
لكنها لم تكن وحدها، وقف خلفها رجل يبتسم للكاميرا، ألفريد كينيث.
أسفل الصورة كانت رسالة قصيرة:
"إذا أردتم الحقيقة...تعالوا وحدكم."
في اليوم التالي توجه سامي وماري إلى الموقع المحدد.
كان قصرًا قديمًا مهجورًا خارج لندن، مكانًا منعزلًا تحيط به الأشجار الكثيفة، وكل شيء فيه يوحي بالخطر.
قالت ماري بصوت خافت:
"هذا فخ."
أجاب سامي:
"أعرف."
"ومع ذلك سنذهب؟"
نظر إليها، وقال:
"بعض الحقائق تستحق المخاطرة."
دخلا القصر، وكان الصمت يملأ المكان، ثم سمعا صوتًا يأتي من الطابق العلوي.
صوت تصفيق بطيء، بارد، ومستفز.
رفعا رأسيهما نحو مصدر الصوت، وظهر رجل يقف أعلى الدرج، يراقبهما بابتسامة هادئة.
ابتسامة رجل انتظر هذه اللحظة طويلًا، ألفريد كينيث.
قال وهو يصفق ببطء:
"أخيرًا."
ثم نظر إلى ماري، وأضاف:
"لقد احتجت سنوات طويلة لأوصلك إلى هنا."
شعرت ماري بالصدمة، أما سامي فتجمد مكانه، لأن الجملة كانت تحمل معنى مرعبًا.
لم يكن ألفريد ينتظر سامي فقط، بل كان ينتظر ماري منذ البداية، ومنذ سنوات، وقبل أن يتمكن أي منهما
من طرح سؤال واحد...قال ألفريد بابتسامة غامضة:
"حان الوقت لتعرفي من أنتِ حقًا."
وتحولت ملامح ماري إلى صدمة كاملة، لأنها أدركت أن أكبر سر في هذه القصة...قد يكون متعلقًا بها هي.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.