Qaed

Share to Social Media

لم تنم ماري طوال الليل.
كانت الوثائق مبعثرة فوق الطاولة أمامها، والاسم الذي اكتشفته في الصفحة الأخيرة ما زال يطاردها.
والدها، توماس تشارلي، الرجل الذي أحبته واحترمته طوال حياتها، الرجل الذي كانت تظنه بعيدًا تمامًا
عن كل ما يحدث.
كيف ظهر اسمه داخل تلك الملفات؟ وما علاقته بسامي؟ وما علاقته بجاك أوليفر؟
كلما فكرت أكثر، شعرت أن الأرض التي وقفت عليها طوال حياتها بدأت تتشقق تحت قدميها.
في صباح اليوم التالي توجهت إلى منزل والدها.
كان يعيش في منزل ريفي هادئ خارج لندن، وعندما فتح الباب ورآها، ابتسم فورًا، لكن ابتسامته اختفت
عندما رأى تعابير وجهها..قال بقلق:
"ماري؟ ماذا حدث؟"
دخلت دون مقدمات، وأخرجت الوثائق من حقيبتها، ثم وضعتها أمامه.
ساد الصمت..لحظة واحدة فقط، لكنها كانت كافية.
لأنها رأت الشحوب يكسو وجهه، ورأت الخوف في عينيه، لأول مرة في حياتها.
جلس والدها ببطء، وكأنه أصبح أكبر بعشر سنوات فجأة.
ثم قال بصوت منخفض:
"من أين حصلتِ على هذه؟"
همست:
"إذن هي حقيقية؟"
أغلق عينيه، ولم يجب، وكان ذلك الجواب بحد ذاته.
بعد دقائق طويلة من الصمت، بدأ يتحدث، عن الماضي.
عن جاك أوليفر، وعن شركة قديمة، وعن صفقة ضخمة حدثت قبل سنوات.
صفقة انتهت بكارثة مالية، وخسائر هائلة، وأشخاص دمرت حياتهم بالكامل.
لكن المفاجأة الكبرى كانت شيئًا آخر.
سامي لم يكن المسؤول، بل كان الشخص الوحيد الذي حاول منع الكارثة.
شعرت ماري وكأن الهواء اختفى من الغرفة.
قالت بصدمة:
"ماذا؟"
أومأ والدها ببطء..ثم قال:
"لقد حاول تحذيرنا."
"ومن المسؤول إذن؟"
ساد الصمت..ثم رفع والدها رأسه، وكان الألم واضحًا في عينيه.
وقال:
"ألفريد كينيث."
تجمدت ماري مكانها..ألفريد؟ صديق العائلة؟ الرجل الذي أرسل لها الملفات؟ الرجل الذي ادعى
أنه يحاول حمايتها؟ لم تستطع استيعاب الأمر..شعرت وكأن كل شيء انقلب رأسًا على عقب.
في تلك الليلة عادت إلى لندن وهي في حالة صدمة.
وبقيت لساعات طويلة تسير على ضفاف نهر التايمز، تحاول ترتيب أفكارها، وتحاول فهم الحقيقة.
وفي النهاية أدركت شيئًا واحدًا..لقد ظلمت سامي.
في اليوم التالي ذهبت إلى مكتبه، دون موعد، دون اتصال، ودون أن تعرف ما الذي ستقوله.
دخلت..فوجدته واقفًا قرب النافذة، بدا متعبًا، وأكبر سنًا من المعتاد. كأن الأيام الأخيرة استنزفته بالكامل.
استدار عندما سمع الباب، ورآها..ساد الصمت.
قالت أخيرًا:
"كنت مخطئة."
لم يرد..اقتربت خطوة أخرى، وأضافت:
"أعرف جزءًا من الحقيقة الآن."
ظل ينظر إليها بصمت..ثم قال:
"ومن أخبرك؟"
"والدي."
لأول مرة تغيرت ملامحه. بدا وكأنه لم يكن يتوقع ذلك.
تنهد سامي ببطء، ثم جلس على أحد المقاعد.
وقال:
"كنت أحاول إبعادك عن كل هذا."
سألته:
"لماذا؟"
ابتسم بحزن.
"لأنك لا تستحقين أن تدفعي ثمن أخطاء الماضي."
للحظة طويلة لم يتحدث أي منهما..ثم قالت ماري بهدوء:
"لكنني أريد أن أعرف الحقيقة."
رفع عينيه نحوها، وكانت تلك أول مرة يشعر فيها أنها تقف إلى جانبه حقًا، لا ضده.
خلال الأسابيع التالية عملا معًا لكشف ما حدث في الماضي.
بدأ سامي يشاركها بعض التفاصيل التي أخفاها لسنوات، وأخبرها عن خسارته لأصدقاء مقربين.
وعن الاتهامات التي لاحقته رغم براءته، وعن السبب الذي جعله يغلق قلبه أمام الجميع.
كلما استمعت إليه أكثر...ازداد إعجابها به، وازداد ألمها لأجله.
وفي إحدى الأمسيات، وبعد يوم طويل من العمل، خرجا يتمشيان قرب النهر.
كانت لندن هادئة على غير عادتها، والهواء البارد يملأ المكان..سارا بصمت لبعض الوقت.
ثم قالت ماري فجأة:
"هل تعلم شيئًا؟"
نظر إليها.
"ماذا؟"
ابتسمت بخفة.
"أعتقد أنني كنت أكرهك في البداية."
ضحك لأول مرة منذ أيام..وقال:
"أعتقد أنني لاحظت ذلك."
ضحكت هي أيضًا، ثم التقت عيناهما، واختفت الضحكات تدريجيًا، وبقي شيء آخر.
شيء أعمق، وأصدق.
شعرت ماري أن قلبها يخفق بسرعة، أما سامي فلم يستطع إبعاد عينيه عنها.
كانت المسافة بينهما قصيرة جدًا، قصيرة إلى درجة خطيرة، وكاد أحدهما يقول ما يشعر به.
لكن صوت هاتف سامي قطع اللحظة فجأة..نظر إلى الشاشة، فتغير وجهه فورًا، شحب، وتصلب جسده.
قالت ماري بقلق:
"ما الأمر؟"
لم يجب..بل قرأ الرسالة مرة أخرى، وكأن عقله يرفض تصديقها.
أخذت الهاتف من يده، ونظرت إلى الشاشة..فتجمدت في مكانها.
كانت الرسالة قصيرة جدًا، ثلاث كلمات فقط، لكنها كانت كافية.
"لقد وجدناها."
أسفل الرسالة كانت صورة لامرأة. المرأة نفسها التي كان سامي يخفي أمرها منذ البداية.
المرأة التي تلقى اتصالًا غامضًا بشأنها قبل أسابيع.
المرأة التي ظن الجميع أنها اختفت منذ سنوات، لاريسا.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن أنها عادت، بل المكان الذي التُقطت فيه الصورة.
لأنها كانت محتجزة داخل مبنى مهجور يملكه ألفريد كينيث نفسه، وفي تلك اللحظة أدرك سامي
وماري شيئًا مرعبًا.
كل ما حدث حتى الآن...كان مجرد بداية اللعبة، أما ألفريد...فقد قرر أخيرًا الخروج من الظل.
0 Votes

Leave a Comment

Comments

Write and publish your own books and novels NOW, From Here.