مرت ثلاثة أيام منذ الهروب الأخير لألفريد.
ثلاثة أيام من المطاردات والتحقيقات والاجتماعات مع الشرطة.
لكن دون أي نتيجةن كان وكأنه تبخر..اختفى تمامًا، وكأنه لم يكن موجودًا من الأساس.
وقف سامي أمام نافذة جناحه في الفندق ينظر إلى أضواء لندن.
لكن عقله لم يكن هناك. كان يفكر في ماري، في كل ما مرت به، وفي كل ما اكتشفته خلال الأسابيع الماضية.
وفي الحقيقة التي لم يعد يستطيع تجاهلها، لقد أحبها..أحبها أكثر مما توقع، وأكثر مما سمح لنفسه يومًا أن يحب أحدًا.
أما ماري فكانت تجلس في منزلها تتأمل صورة قديمة لوالدها.
رغم الصدمات التي مرت بها، كانت تشعر بشيء واحد بوضوح..وجود سامي بجانبها جعلها أقوى.
وجعلها قادرة على مواجهة الحقيقة، حتى أكثر الحقائق ألمًا.
في اليوم التالي التقيا في المقر الرئيسي للمشروع.
كان الاجتماع قصيرًا، لكن نظراتهما قالت أكثر مما قيل بالكلمات، وبعد انتهاء الاجتماع طلب سامي منها البقاء.
غادر الجميع، وأغلق الباب، ثم ساد الصمت.
قال سامي أخيرًا:
"أريد أن أخبرك بشيء."
شعرت ماري أن قلبها بدأ يخفق بسرعة، قالت بهدوء:
"وأنا أيضًا."
ابتسم بخفة، لأول مرة منذ فترة طويلة، ابتسامة خالية من القلق، ومن الخوف.
اقترب منها، ثم قال بصوت منخفض:
"عندما جئت إلى لندن كنت أبحث عن إجازة قصيرة."
ضحكت بخفة.
"وأعتقد أنك لم تحصل عليها."
ابتسم..ثم أكمل:
"لكنني وجدت شيئًا أهم."
سكت للحظة، ثم نظر مباشرة إلى عينيها.
وقال:
"وجدتك أنتِ."
شعرت ماري بأن العالم توقف للحظة. كل شيء اختفى حولها، كل الضجيج، كل الأسرار، وكل الخوف.
قال سامي بصوت صادق:
"حاولت الابتعاد، وحاولت تجاهل ما أشعر به، لكنني لم أستطع."
ثم تنفس بعمق..وأضاف:
"أحبك يا ماري."
امتلأت عيناها بالدموعن لكنها كانت دموع سعادة هذه المرة.
ابتسمت وسط دموعها.
وقالت:
"استغرقت وقتًا طويلًا لتقولها."
ضحك سامي، لأول مرة من قلبه.
ثم اقتربت منه، وقالت بهدوء:
"وأنا أحبك أيضًا."
لم يحتج أي منهما إلى المزيد من الكلمات، فقد كان كل شيء واضحًا أخيرًا.
في تلك الليلة خرجا معًا إلى ضفاف نهر التايمز.
المكان الذي بدأ فيه كل شيء تقريبًا. كانت المدينة هادئة، والأضواء تنعكس فوق الماء.
وكان المستقبل يبدو أكثر إشراقًا من أي وقت مضى، لكن ذلك الشعور لم يدم طويلًا.
في صباح اليوم التالي حدث ما لم يكن أحد يتوقعه.
اختفت ماري..في البداية ظن الجميع أنها لا ترد على هاتفها فقط. لكن بعد ساعات بدأت الحقيقة تتضح.
سيارتها كانت متروكة قرب أحد الطرق الجانبية، وهاتفها عُثر عليه داخلها.
أما هي...فلم يكن لها أي أثر.
وصل الخبر إلى سامي كالصاعقة، شحب وجهه فورًا، وشعر بقلبه يهبط في صدره.
كان يعرف من المسؤول، قبل أن يخبره أحد، ألفريد.
وبعد أقل من ساعة وصلت رسالة إلى هاتفه..رسالة من رقم مجهول، فتحها بسرعة، وكان بداخلها مقطع فيديو.
ظهرت ماري على الشاشة..كانت بخير، لكنها كانت محتجزة داخل غرفة مجهولة، ثم ظهرت صورة ألفريد.
وابتسامته الباردة المعتادة.
قال في التسجيل:
"أخيرًا أصبحنا وحدنا يا سامي."
ثم ضحك..وأضاف:
"إذا أردت رؤيتها مجددًا... تعال وحدك."
أسفل الفيديو ظهر عنوان موقع مهجور على أطراف لندن، ثم ظهرت الجملة الأخيرة.
"ولا تخبر الشرطة."
شعر سامي بالغضب يشتعل داخله، لكنه أجبر نفسه على التفكير بهدوء.
كان يعرف أن ألفريد يريد استدراجه، ويريد تحويل الأمر إلى مواجهة شخصية.
بعد دقائق دخل أحد المحققين إلى مكتبه.
وقال:
"سنجدها."
لكن سامي لم يكن يستمع..كان قد اتخذ قراره بالفعل.
في المساء قاد سيارته وحده نحو الموقع المحدد. كان مستودعًا قديمًا قرب الميناء.
منطقة مهجورة لا يزورها أحد، والضباب يغطي المكان بالكامل.
توقف أمام المبنى، وترجل من السيارة، ثم دخل.
كانت خطواته تتردد في الممرات الفارغة، حتى وصل إلى القاعة الرئيسية.
وهناك...كان ألفريد ينتظره.
وقف مبتسمًا، وكأنه يستقبل ضيفًا قديمًا.
وقال:
"كنت أعلم أنك ستأتي."
نظر سامي حوله..ثم قال ببرود:
"أين ماري؟"
ابتسم ألفريد، وأشار إلى الطابق العلوي.
رفع سامي رأسه، ورأى ماري محتجزة داخل غرفة زجاجية مرتفعة.
كانت خائفة، لكنها بخير، وعندما رأته صرخت:
"سامي! لا!"
لكن سامي لم يبعد عينيه عنها، ولو لثانية واحدة.
ضحك ألفريد.
وقال:
"انظر إليك، رجل الأعمال العظيم، الرجل الذي حاول دائمًا إنقاذ الجميع."
ثم اقترب منه..وأضاف:
"لنرَ إن كنت تستطيع إنقاذها."
أخرج جهاز تحكم صغيرًا من جيبه.
وقال:
"هذه الغرفة مؤمنة بالكامل، ولديك وقت محدود."
شعر سامي أن الوقت توقف، لكن عقله بدأ يعمل بسرعة.
كان عليه أن ينقذ ماري، دون أن يسمح لألفريد بالهرب مجددًا.
أما في الأعلى...فكانت ماري تنظر إليه، والخوف يملأ قلبها.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا، إذا كان هناك شخص قادر على إخراجها من هذا الكابوس...
فهو سامي.
وفي تلك اللحظة بالذات...دوى إنذار حاد داخل المبنى كله، وأضاءت الأضواء الحمراء في كل مكان.
نظر ألفريد إلى ساعته، ثم ابتسم ابتسامة مرعبة.
وقال:
"لقد بدأت اللعبة الأخيرة."
وتحول المستودع كله إلى فخ عملاق، بينما أدرك سامي أن الدقائق القادمة ستحدد مصير الجميع.