بقيت ماري تحدق في صورة لاريسا على شاشة الهاتف.
لم تستطع استيعاب ما تراه..لاريسا كانت حية، بعد سنوات من الاختفاء، وبحسب الرسالة، كانت موجودة
داخل أحد المباني التابعة لألفريد كينيث.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، أما سامي فكان ينظر إلى الصورة وكأنه يرى شبحًا عاد من الماضي.
همس بصوت خافت:
"لاريسا..."
ولأول مرة رأت في عينيه شيئًا يشبه الخوف.
بعد أقل من ساعة، كان سامي وماري في طريقهما إلى الموقع الذي ظهر في الصورة.
مبنى قديم يقع في منطقة صناعية مهجورة خارج لندن.
كانت السماء ملبدة بالغيوم، والرياح الباردة تعصف بالمكان.
توقف سامي أمام البوابة الحديدية الصدئة.
وقال:
"إذا كانت هناك فعلًا..."
لم يكمل الجملة، لكن ماري فهمت، كان يخشى أن يصل متأخرًا.
دخلا المبنى بحذر. كانت الممرات مظلمة، والصمت يملأ المكان، وبعد دقائق من البحث، وصلا إلى غرفة
صغيرة في الطابق العلوي.
فتح سامي الباب بسرعة، لكن الغرفة كانت فارغة، لا أحد هناك، فقط كرسي قديم، وبطانية، وزجاجة ماء.
أدركا فورًا أن شخصًا كان موجودًا في المكان حتى وقت قريب جدًا، لكن الشخص اختفى.
وعلى الجدار المقابل وجدا شيئًا آخر..ورقة مثبتة بشريط لاصق.
اقترب سامي منها، ثم نزعها ببطء.
كانت تحتوي على جملة قصيرة مكتوبة بخط واضح:
"ما زلتم متأخرين خطوة واحدة."
أسفل الجملة توقيع واحد فقط. ألفريد.
قبض سامي على الورقة بقوة، بينما شعرت ماري بالغضب يتصاعد داخلها.
قالت:
"إنه يلعب معنا."
أجاب سامي بصوت بارد:
"بل يريدنا أن نعرف أنه يراقبنا."
في الأيام التالية بدأ كل شيء يتسارع، فقد أصبح ألفريد أكثر جرأة.
وبدأت تظهر معلومات جديدة حول القضية القديمة، وكل دليل جديد كان يقود إلى النتيجة نفسها.
ألفريد لم يكن مجرد شاهد على الأحداث، بل كان الشخص الذي خطط لها منذ البداية.
أما لاريسا...فقد بدأت حقيقتها تظهر تدريجيًا، لقد اكتشف سامي أن اختفاءها لم يكن اختياريًا كما ظن الجميع.
بل كانت تحت ضغط وتهديد مستمر لسنوات، وكان ألفريد يستخدمها لإخفاء أسرار كثيرة. أسرار لو ظهرت
للعلن، لانتهى كل شيء بالنسبة له.
في إحدى الليالي جلس سامي وماري داخل المكتب بعد مغادرة الجميع.
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والمدينة خارج النوافذ تغرق في الأضواء.
قالت ماري:
"أشعر وكأن حياتي كلها كانت كذبة."
نظر إليها سامي بصمت، ثم قال:
"أعرف هذا الشعور."
التقت عيناهما، ولم يكن هناك ما يحتاج إلى تفسير، فكلاهما كان يحمل جراح الماضي بطريقته الخاصة.
قالت ماري بعد لحظة:
"هل تعلم ما أكثر شيء أخاف منه؟"
"ماذا؟"
تنهدت، ثم قالت:
"أن أكتشف أنني وثقت بالشخص الخطأ طوال حياتي."
بقي سامي صامتًا..ثم قال بهدوء:
"وأنا أخاف أن أخسر الأشخاص الذين أثق بهم."
شعرت ماري بأن قلبها ينبض بقوة، لأنها فهمت ما يقصده، وفهم أنه يعرف أنها فهمت.
ساد الصمت، لكن هذه المرة لم يكن صمتًا مريحًا، بل كان مليئًا بالمشاعر التي حاولا تجاهلها طويلًا.
نظر سامي إليها، وكانت المسافة بينهما أقصر من أي وقت مضى.
قال بصوت منخفض:
"ماري..."
رفعت عينيها نحوه، ولم تستطع إبعاد نظرها.
أكمل:
"هناك أشياء كثيرة لم أقلها."
همست:
"وأنا أيضًا."
ابتسم بخفة، ثم اقترب خطوة واحدة، وشعرت هي أن العالم كله اختفى فجأة.
لم يعد هناك مشروع، ولا أسرار، ولا ألفريد، ولا ماضٍ، فقط هي وهو.
ولأول مرة منذ التقيا قرب نهر التايمز...لم يحاول أي منهما الهروب من مشاعره.
قال سامي بصوت هادئ:
"أعتقد أن وجودك غيّر حياتي."
امتلأت عينا ماري بالمشاعر، ولم تستطع الرد فورًا.. ثم قالت أخيرًا:
"وأنت غيّرت حياتي أيضًا."
وفي تلك اللحظة بالتحديد...رن هاتف سامي.
تنهد الاثنان في الوقت نفسه، فضحكت ماري رغم التوتر، أما سامي فأخرج الهاتف على مضض.
لكن الابتسامة اختفت فورًا من وجهه، نظر إلى الشاشة، ثم شحب.
قالت ماري بقلق:
"ماذا حدث؟"
أراها الرسالة، فتجمدت هي الأخرى.
كانت رسالة تحتوي على مقطع فيديو، ومعها عبارة واحدة:
"إذا أردتما الحقيقة... شاهدا هذا."
فتح سامي الفيديو، وبدأت الصورة تتحرك. ظهر رجل يجلس داخل غرفة مظلمة.
كان مرهقًا، وخائفًا، ويبدو وكأنه يسجل اعترافًا، ثم رفع رأسه نحو الكاميرا.
وشعرت ماري بأن أنفاسها توقفت، لأن الرجل كان والدها، توماس تشارلي.
ظهر تاريخ التسجيل، وكان يعود إلى سنوات طويلة مضت، ثم بدأ والدها يتحدث.
وقال الجملة التي قلبت كل شيء:
"إذا كنت تشاهد هذا التسجيل... فهذا يعني أن ألفريد نفذ خطته أخيرًا."
شعرت ماري بالدوار، أما سامي فبقي يحدق في الشاشة بصمت.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت بعدها بثوانٍ..عندما أكمل والدها قائلاً:
"وسامي... إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فأنا أطلب منك أن تحمي ابنتي مهما حدث."
تجمد سامي، وتجمدت ماري، ونظرا إلى بعضهما في صدمة كاملة.
كيف عرف والدها سامي قبل كل تلك السنوات؟ ولماذا طلب منه حماية ماري تحديدًا؟
وما السر الذي جمع الرجلين قبل سنوات طويلة من لقاء سامي وماري؟
انتهى الفيديو فجأة، وبقي السؤال معلقًا في الهواء، سؤال واحد فقط.
هل كان لقاؤهما في لندن صدفة فعلًا...أم أن القدر بدأ ترتيب هذه القصة منذ سنوات طويلة؟