حينما لمحت عيناي صورتها أمامي لا أدري ما حدث لي.. شعور وكأن الزمن توقف للحظة او أن الوقت صار أبطأ من الطبيعي.
شعرت بلمسة اسر لي على كتفي لكني لم ألتفت له. الحركة بالنسبة لي حينها تجمدت..
وقف اسر أمامي ورمقني بنظرة جادة وقال :
"براء... مالك يا صاحبي؟"
تلاقت أعيننا... لمحت بعينه التركيز فهمست : "هي؟"
زفر وقال بهدوء : "ممكن وممكن لا برضوا، بس اسمعني يا براء... متخليش فكرة تأثر عليك"
"بس...."
قاطعني بحدة خفيفة وقال : "عارف... بس انت عاوز تروح لها؟..."
"مش عارف..."
أغمضت عيني لثانية وزفرت. أردف اسر :
"طب يلا عشان منضيعش وقت.."
اهتز نظري للحظات وعدت نحو ظلها الذي بدأ يختفي ويبتعد خلف وجه اسر، أردفت : "بس مش يمكن تختفي تاني؟ يمكن معرفش أوصل لها طريق؟ خايف يكون ظهورها دا فرصة اننا نرجع او حاجة تفوتني.."
ربت على كتفي وقال : "متقلقش.. مش لازم تشغل بالك بكل حاجة خوفا انها تفوتك.. كل اللي يقدمه ربنا خير.. وهي لو عايزة ترجع لك اكيد هترجع وتقولك، متروحش لواحدة سابتك بدون ما تقولك سبب وماهتمتش لمشاعرك، متمشيش ورا قلبك وتنزل نفسك، الناس مش دايما بيبقوا زي ما هم ظاهرين.."
أنزلت رأسي مدركا الحكمة من قوله، تقدمت خطوتين ولففت ذراعي حوله في عناق لم أخطط له. تفاجئ اسر واشتد جسده للحظة قبل ان يرتخي. همست : "شكرا"
ربت على كتفي وقال بسخرية محاولا تخفيف ثقل اللحظة : "يا عم خلاص الله يكرمك بطل عبط"
●●●
مر الوقت...
عدنا بعدها الى القسم.. ضباط في الخارج يتمشون.. منهم من يأكل ومنهم من يشرب قهوته. القسم ينتشر به رائحة الورق القديم والقهوة وعرق خفيف وحرارة خفيفة في الجو. أتي العسكري علي نحونا وقال : "اهلا يا باشا"
أومأت له فأرشدنا بعدها نحو الغرفة التي أحتجز بها رضا. دخل اسر بخطوات ثابته واثقة وزفر بعمق. أغلقت الباب، أخذت كرسي وجلست واضعا رجل على الاخرى. كان رضا مكبل اليدين، وجالس على كرسي خشبي صغير أمامنا. أخرج اسر دفتره وقلمه ثم بادر الاستجواب قائلا بنبرة محايدة :
"رضا... لقينا اثر دمك على الشاشة، والضباط فتشوا بيتك ولاقوا المفكات عندك، دا غير ان الكاميرا كانت صورتك في الشاشة.... عندك حاجة تحب توضحها؟"
ابتسم رضا بتهكم، و نظرة عينه الحادة ثبتت بأعيننا وقال بهدوء : "يا بشوات انا معملتش حاجة غير اني لاقيت فساد فاقتلعته من جذوره"
أجبت : "فقتلت عادل وعاطف؟"
هز رأسه نفيا وقال : "تؤ يا باشا... عاطف دا انا طبقت عليه القانون بس، يعني ممكن تقول اني قتلت عادل بس"
أجاب اسر بحدة : "قانون ايه بقا ان شاء الله اللي طبقته دا؟ قتلته بصفة ايه؟ وليه؟"
أجاب رضا بنبرة ساخرة : "بتسأل ليه؟ حضرتك لو كان الضابط التاني دا اللي بيلبس اخضر... لو كان بيشوف شغله عدل لمكنش حصل كدا!"
أدركت انه يقصد اكرم... اجبت وقد التصقت ضروسي ببعضها :
"حصل ايه؟"
دمعت عينه قبل ان يتكلم، وقال : "عاطف هو اللي كان خطف بنتي، هو اللي ضربها وقتلها!"
اتسعت عيناي... بينما اسر اشتد جسده وزاد من ضغطه على القلم.. ازدادت نظرته تركيزا وبحذر قال :
"يعني ايه؟ وضح"
زفر رضا وقال : "هو عاطف كان حب نرمين.. ولما هي رفضته، هو اتقهر والشيطان لعب بديله فأخد البنت وخطفها واعتدى عليها وسابها لحد ما ماتت!"
أجبت : "طب وعادل ايه علاقته؟"
ظهرت على وجهه ملامح اشمئزاز من نطقي للاسم وقال :
"عادل دا شريك تاني بالجريمة بس مش المنفذ"
"بمعنى؟"
"كان عارف اللي حصل وسكت عشان يحمي صاحبه.. لكن لما ضميره أنبه على موت نرمين جه واعترف لي باللي حصل واللي عمله عاطف"
أجاب اسر ببرود : "عشان كدا انت قتلته؟ انه سكت على اختفاء بنتك لحد ما ماتت؟"
اشتعلت نظرة رضا حقدا وعلا صوته وردد بهستيرية : "ايوه! يستاهل يستاهل... كلاب، ملاعين، فاشلة، ما اتربوش..."
أجاب اسر بهدوء : "بس اظن ان بنتك كانت معاهم ومصاحباهم بمحض إرادتها؟"
لمعت عينا رضا من الدموع ونكس رأسه قائلا : "كانت على نياتها وطيبة..."
أغلق اسر دفتره بعدما انتهى من تسجيل كل تفصيلة ثم رفع نظره نحو رضا و قال : "تمام يا رضا.."
ازدرد رضا ريقه ثم انهمر باكيا وكفاه يغطيا وجهه. لا أعرف أهي دموع ندم ام إدراك مرير لشناعة ما فعله لكننا وأخيرا يمكنني ان أقول اننا أنهينا هذه القضية..
زفرت فعاد الالم في خصري كشرارة خفيفة تذكرني ان الإصابة لا تزال هنا وستظل ندبتها على جلدي..
فكرت للحظات بملخص هذه الرحلة...
عاطف قتل نرمين، وعادل سكت على جريمة صاحبه. لما ضميره أنبه حكى لوالد نرمين. رضا لما الشرطة اكتشفت جثة نرمين متأخر رضا قرر ينتقم من عاطف فقتله بنفس الطريقة. وبعدها شاف ان عادل كمان شريك في الأمر فخلّص عليه. كان عاوز يقضي على كل حد ليه أثر في موته بنته.
لا أدري ما العبرة هنا... لكنني عدت بنظري لاسر. أعلم انه يحب تأمل الافكار ولربما استطاع الوصول الي عبرة ما... فطالما كان هو بارعا بهذا.. قطع تفكيري رنة هاتف اسر..
خرج اسر فتبعته..
مكالمة مهمة على ما أعتقد، عينيه كانتا تحدقان بنقطة وهمية في الأرض. أصابعه على الهاتف مشدودة وفجأة اتسع بؤبؤ عينيه..
صاح بحدة : "ايه؟"
اتسعت عيناي... لا أدري لكن حدثي يخبرني ان هناك مصيية جعلته يصيح هكذا.
أردف اسر لكنه تلعثم بكلامه : "ان..ا هاا...جي.."
أقفل الخط بيد مرتجفة، إزدادت ضربات قلبي حينما رأيت ملامح الهلع ترتسم على وجهه.
قلت : "اسر مالك؟ حصل ايه؟"
لمعت عيناه المتسعة من الصدمة، ترورقت بدموع غزيرة فجأة.. حاول كبح دموعه لكنه لم يفلح..
إزدادت ضربات قلبي توترا وتعرقت يداي.. يا الله!.
لم يجب.. صديقي المسكين من صدمته التي لا اعرفها الى الآن... تجمد لسانه في فمه. ربّت على كتفه وقلت :
"اسر اهدى اهدى"
أعطيت ظهري للجميع لأداري كسرة اسر تلك، أسند رأسه على كتفي وهمس بصوت أصبح مبحوحا وضعيفا فجأة :
"براء... بابا.... بيموت.."
نبضة واحدة ضربت صدري ثم عاد قلبي مكملا ضرب صدري بعنف.
كلمات صغيرة لكن وقعها كان كالصاعقة عليّ...
اللواء هشام؟ والد اسر؟ الذي كنت أعتبره اب لي انا ايضا؟
يا الله!... ما الذي قاله اسر للتو؟
هل يمزح؟ لا لا... أتمنى ان تكون مزحة سوداوية... لكن معالم الصدمة على اسر تلك لا تبشر بأي مزحة.. تمنيت ان أكون أحلم... لكن وجع خاصرتي الذي عاد يؤكد لي عكس ما أتمنى..
ضممته بخفة في صمت عزاء... ارتجف اسر للحظات ثم قال ودموعه قد بللت كتفي :
"انا مكنتش برد عليه... كنت مشغول... كان عاوزني وانا سيبته... براء أبوس ايدك قلي ان دا مش حقيقي... ان مفيش مكالمة.. ان مفيش حاجة حصلت.... مش قادر.."
وضع اسر يده على صدره فاتسعت عيناي مدركا ان هذه الصدمة ستؤثر على قلبه الذي كان قد أجرى عملية به مسبقا... أردفت بسرعة مربتا على كتفه : "اسر اهدى.. اهدى.. وبراحة"
لم يجب فأردفت مرة أخرى كمحاولة للسيطرة : "طيب هم قالولك عمو هشام فين؟"
"في .. القصر العيني.. الانعاش.."
ربّت على كتفه تربيتتان ثم ابتعدت عنه، إلتفت حولي ولحسن الحظ اني وجدت الممر فارغا فلم يشهد احد لحظة كسرتنا تلك..
مسحت دموعي بخشونه... اسر يريدني قوي الآن... هو حزين ويحتاج من يسانده..
إلتفتت له مجددا و همست : "اسر هنروح"