بعد ساعات طويلة من التحقيقات والضغط، بدا عرض روميساء للكشري وكأنه هدنة مؤقتة من هذا اليوم المرهق.
تثائبت وفركت عيني ممسحا تلك الدمعة التي تشكلت على زاويتها أثناء صعودنا للدرج وقلت :
"عارف لو طلع زي المرة اللي فاتت؟"
"يا عم متقلقش انت بس متنساش تسمي"
وقفنا أمام الباب الاسود اللون، رن براء الجرز بينما انا عدلت هندامي. فتح سالم لنا الباب مبتسما فظهر تقويمه. من خلفه هادي كان يركض ضاحكا.
رحبّ سالم قائلا : "اهلا اهلا خشوا"
تقدم براء ودارت عينيه في المكان بتوجس وهمس : "ربنا يستر، فين روميساء؟"
ابتسم سالم قائلا : "عاملة حتة طبق كشري... متحلموش بيه! مش هتستحملوه!"
رمقه براء بانزعاج ولا أدري لماذا لكني حتما أدرك اننا سندخل على كارثة. ففي اغلب المرات التي نجتمع بها في منزل طنط منال والدة براء كانت دائما روميساء تأتي بتجربة من احدى الاختراعات التي تجربها في الطبخ.
امسك سالم بكتفينا ودفعنا من الخلف للامام نحو المائدة التي استقرت بمنتصف الصالة. كما لو انه يقدم قربانان.
رائحة الكشري جيدة ولا شيء كارثي حتى الآن. عدت بنظري لبراء وكأنني أستجديه ان يفصح لي عن ما هيئة الكارثة التي سنواجهها هذه المرة لكنه لم يعطني أي اشارة.
حتما ان عاد لي ألم المعدة مجددا فسأرفع بلاغا عليهم!.
بدأ سالم قائلا : "اقعدوا اقعدوا تحبوا أجيب لكم فيلم؟"
أجاب براء بنبرة بها حدة خفيفة : "لا شكرا كفاية اوي علينا كدا"
ضحك سالم بشدة حتى دمعت عيناه ثم قال ممسحا دمعته : "طيب هروح أجيب طبق لهادي لأنه مرضاش ياكل معانا"
غادر سالم فخلعت جاكتي وساعة يدي وأخرجت هاتفي، وضعت مقتنياتي في ركن بعيد عن أيدي الأطفال على الأريكة الخضراء الناعمة. أخذت لي مقعدا بجوار براء الذي كان قد بدأ وجهه بالشحوب بالفعل قبل حتى أول لقمة وقلت : "اي مش انت اللي جاي بمزاجك وبكامل قواك العقلية؟"
عاد سالم فقطعنا الكلام، بدأت بوضع الملعقة في الطبق فوجدتها قد ثبتت هناك ولم تعد...
هنا أدركت المشكلة... الأرز معجن..
في المرة السابقة كان البصل هو المحروق، والآن المشكلة بالأرز. زفرت دون ان أعلق... لا حل آخر امامنا سوى الأكل. يجب علينا ان نتغذى كي نستطيع استكمال استجواب رضا.
براء كان يأكل بصمت تماما كالفتى المهذب. إلتفت نحو هادي الصغير الذي كان يجلس بجواري وما ان رأيت ما يفعله حتى لم استطع كبح ضحكتي..
من قال له ان هذا الارز صلصال يُشكل به؟.
ساعة الحائط تتك بين الحين والآخر. وشاشة التلفاز.. أمامنا مضائة ومشغلة على قناة سبيستون.
بعدما انتهينا من الطعام، ولملم سالم الأطباق، ملت بخفة نحو براء الذي كان يحتسي الشاي وهمست :
"والله يا براء انتو محتاجين أرفع عليكم بلاغ شروع في القتل"
ضحك براء قائلا : "يا عم انت حتى مخلصتش نص الطبق"
"وانت كنت مستني مني اني اكمل العك دا؟"
وضع براء الكوب أمامه فأردفت :
"بعدين اختك امتى تتقي ربنا في المساكين دول و تطبخ عدل؟ يعني لازم كل مرة امشي من عندكم وانا بطني وجعاني؟"
"يا ابني مش لوحدك اللي بتعاني.. مثلا عندك سالم دا.. الكلب المطيع.... يعيني مجبور يوميا ياكل كدا"
ابتسمت وقلت : "سالم دا حكايته على الله"
دخل سالم علينا الصاله وقال مبتسما واضعا كف يده اليمنى على ظهر يده اليسرى :
"والله يا جماعة مش عارف أشكركم ازاي على انكم جيتم واكلتم"
زفر وكأنه تخلص من عبء وأردف : "يعني صراحة كدا حلة الكشري الحمدلله خلصت"
أجاب براء بتهكم وفي يده ريموت التلفزيون يقلب بالقنوات : "لا بجد برافو اصلا ان المقدار المرة دي طلع مظبوط"
كبحت ضحكتي على طريقة براء ولم أجب.
أنى صوت روميساء الحاد قائلة :
"بتتوشوشوا على ايه؟"
انتفض سالم معتدلا بجلسته وقال : "لا ابدا يا حببتي، دول بس عجبهم الكشري وكانوا عاوزين ....."
لم يكمل جملته بالطبع.. وذلك لأن براء حدف في وجهه الوسادة التي كانت ساكنة تحت ذراعه.
أردف براء بسرعة : "لا يا روميساء مفيش حاجة يا ماما"
كبح سالم ضحكته وقال :
"يا ابني عيب كدا اختك واكلها لازم يبقى فوق راسك"
اجاب براء بلا مبالاة : "ايوه ايوه... بس انت ارحمنا من تعليقاتك اللي هتودينا في داهية"
"انت حر يا بيبو"
أعاد سالم ظهره مستندا الى الأريكة متابعا التلفاز. صوت اشعار أتى من هاتف براء امامنا على الطاولة مما جعل شاشة الهاتف تضيء لثواني.
أخذ براء الهاتف ثم فتحه.. حدق بالشاشة لبرهة ثم سرعان ما رفع نظره لعيني. أمال رأسه بإشارة أعرفها فقلت :
"ايه؟... حاجة في الشغل؟"
"اه.. لازم نستجوب رضا"
"تمام"
●●●
استأذنا بعدها سالم بالمغادرة، دعى لنا بالسلامة وكأن أُما تودع اطفالها قبل الذهب للمدرسة. سلّم براء على هادي وعانقه وقبله ثم تركه، كذلك سلّمت على هادي ثم ذهبنا.
نزلنا الدرج وقال براء بهدوء به تركيز :
"نستجوب رضا ونخلص باقي الاوراق عشان تروح للنيابة"
"اه ايوه"
نزلنا بعدها الى الحوش الخارجي، ضربتنا نسمة هواء باردة. زفر براء ومسح وجهه بينما انا ألقيت نظرة على بعض الأمور في هاتفي، رسائل كثيرة ومكالمات لكني لا أملك الوقت أن أجيب الآن. حينما رفعت نظري مجددا نحو براء اتسعت عيناي...
كان مركزا نظره في شيء بعيد.. اشتد جسده بتلقائية وكأن حواسه التقطت خطرا لا أراه...
لم أقطع تركيزه لكني حينما نظرت لما ينظر... رأيتها... فتاة بعيدة.. ذات شعر بني قصير، عينان عسليتان، طويلة القامة وسمراء حنطية.. ترتدي فستان نبيتي اللون..
كانت الفتاة معها طفلة صغيرة بيدها.. كانتا خارجتين من بقالة الحلوى.. والطفلة تهتف باسم الآنسة التي معها...
تلك الطويلة...
تشبه تماما خطيبة براء "آية" والتي اختفت منذ سنة دون ان تخبره!.
هل تركت براء حقا؟.
لا اعلم..
لكن ما أعلمه الآن هي مشاعر الصدمة التي تعتري قلب صديقي. وضعت يدي على كتفه فشعرت برجفته الخفيفة وهمست كأنني أخاف أن أزيد من تحطيم شيء مخفي : "براء..."