SalmaHamdy1

شارك على مواقع التواصل

دفعت الباب برفق متقدما بخطوات حذرة. ظهر اسر أمامي والذي كان جالسا على مكتبه رأسه بين يديه.  رفع نظره من على الأوراق وأشتدت ملامحه للحظة قائلا بحدة خفيفة وصرامة لا تقبل جدل :
"جيت ليه؟"
لم تكن نبرته نبرة استجواب انما فقط هو مندهش لأنني تركت الراحة رغم اصابتي.
مسحت على شعري وقلت كمحاولة لتخفيف التوتر :
"زهقت من القعدة... عادي الدكتور قال ان الطعنة مجتش في عضو حيوي.. انت عارف قال ايه بقا"
مسح وجهه بكفه كما لو أنه يمسح أثر التعب والهالات التي تسكن تحت عينيه.. أردف بنبرة لم ألمح بها استعطاف او لين :
"عارف انه قال انك لازم ترتاح... انت ناسي انك سخنت مرتين؟"
تلاشت ابتسامتي وزفرت.. ضيق غريب احتل قلبي لتذكيره بلحظات ضعفي. تقدمت بلا مبالاة نحو كرسيي وقلت بجدية :
"بس انا خلاص بقيت  احسن... ثم اني مستحيل أسيبك تجيب رضا لوحدك"

حدق بي للحظات بزرقاوتيه وكأن وقوفي أمامه الآن خطأ طبي. أبعد نظره زافرا بضيق ثم قال :
"براحتك يا براء"
أومأت مؤكدا دون اجابة فشعرت بأن الضيق داخلي بدأ في الانفكاك. قلّب اسر الورق أمامه بملل وقال :
"جهز نفسك عشان هنروح نقبض عليه"

●●●

لم نجلس كثيرا بالمكتب.. سرعان ما ركض الوقت وبدأت استعداتنا للذاهب الى قبض وإحضار رضا الدكروري بتهمة قتله لعادل وعاطف.
توقفت سيارة البوكس أمام المول.. خرج اسر وعدّل هندامه متأكدا من استقرار سلاحه الميري في خصره. أخذت نفس عميق لكن استوقفني الالم الخفيف الذي ضرب خصري. أمسكت خصري موضع الإصابة للحظات وزفرت النفس ببطء. رفعت نظري نحو آسر فحمدت الله انه لم يلحظ شيء. أعلم ان اول ما سيقوله ان لاحظ هو ان أعود للجلوس في البوكس.
انتشر رجال الأمن فعدت رافعا ظهري منتصب القامة. كان الجو باردا نسبيا وقرص الشمس على مشارف الغروب. عصافير تغرد وأغصان الأشجار تهتز بفعل الرياح.
دخلنا المول الذي كان هادئا عدا صوت الخطوات المنتظمة. افترقت انا واسر للبحث عن رضا الدكروري الذي كنا قد تبين لنا انه ليس في منزله، فخمنا انه لربما مختبيء هنا.
أخذت الأسانسير طالبا الطابق الثاني، حينما وصلت وجدت رجال الأمن منتشرين كخلية النحل. أبواب تفتح وتغلق ورضا ليس له أثر!.
وقفت أمام الزجاج الذي يفصل بيننا وبين العالم بالخارج. المول شاهق ويطل على كل شيء بالخارج. زفرت وشعرت بأن الأرض مالت لبرهة. قطعها صوت احد الضباط قائلا :
"الرائد براء. مفيش أثر للمتهم رضا الدكروري في الطابق دا"
أومأت وأجبت بصوت منخفض :
"اطلعوا الطابق التالت"

●●●

بالطبع بدأوا بتنفيذ الأمر، قررت خلال هذا الوقت النزول لاسر الذي كنت قد تركته بالطابق السفلي. أخذت الأسانسير الذي استغرق دقيقتين حتى ترحب لي أبوابه بالدخول. زفرت واخترت الزر G وهبط كتفاي لبرهة وكما لو أنني قررت اسقاط بعض الحمولة التي يحملها كتفاي. صوت صدى خطواتي يتردد في أذني كلما اقتربت. الأرض سراميكية بيضاء لامعة تعكس صورتي الباهتة عليها. تشوشت الرؤية أمامي للحظة كانت كافية ان ألمح ذاك الظل الذي دخل خلف اسر غرفة المخزن..
ثقل خفيف إحتل أطرافي لكني لم أستسلم للضعف. سرت بحذر الى أن بدا يستقر توازني ومن ثم قبل أن تلمس تلك العصا المعدنية مؤخرة رأس اسر سحبت رضا من ياقة قميصه من الخلف.  إلتفت الينا اسر الذي كان يبحث خلف الصناديق الخشبية كبيرة الحجم عن شيء ما. إتسعت عيناه للمشهد أمامه ولم يتفوه بكلمة. سرعان ما لامست أنامله الطرف المعني لمسدسه.
في ذات الوقت صحت في رضا :
"اثبت عندك!"
سقطت العصا المتوسطة الطول من يده فدوى صوت ارتطامها الحاد على الأرض. ارتفع كتفاه وتوترت عضلاته وفي لحظة غادرة خانني فيها انتباهي سدد لي رضا ضربه بكوعة فأصابت معدتي..
سرعان ما فلتت أصابعي من عليه، اتسعت عين آسر وصاح في رضا :
"ولاا"
اقترب بسرعة نحوي وسأل بهدوء محاولا كبح نار غضبه خلفه :
"براء انت كويس؟... الجرح.."
رفعت نظري نحوه  وقلت :
"انا كويس.."
ربت على كتفي مرتين ثم ابتعد متقدما نحو رضا.
ابتعد رضا لكن المكان مسدود فاصطدم ظهره بالجدار ثم صاح بنبرة فضحت خوفه :
"ابعدوا! محدش يقرب، انتو مش فاهمين"
تقدم اسر مخرجا الأصفاد ليكبل رضا وأجاب بنبرة تحولت للبرود الهادئ :
"فاهمين  و واضح... كنت عاوز تضرب ضابط مباحث اثناء تأديته لعمله ودفعت ضابط مصاب"
ازدرد رضا ريقه قائلا : "أصل..."
قطعته بحدة وقد علا صوتي من التوتر : "بلا أصل ولا فصل.. انت فاكر انك كدا هتفلت من جريمتك يا رضا؟"
زم شفتيه دون اجابة وترورقت عيناه.
زفر اسر قائلا أثناء إحكامه للقفل :
"خلاص بدون نقاش، يلا على القسم"

●●●


خرجنا الى الساحة الفسيحة برفقة رضا. نادى اسر على اثنان من رجال الأمن فدفع ليهم رضا بحدة خفيفة وقال :
"خدوه ع القسم"
"تحت أمرك يا باشا"

غادر رجال الأمن برفقتهم رضا.. زفرت ماسحا وجهي لعلي أزيل معالم الإرهاق الملتصقة بوجهي. نظرت لاسر بطرف عيني فوجدته كان يتأمل السماء كعادته...
يداه في جيبيه لكن لم تكن ساكنة، كان يحاول اخفاء رجفته الخفيفة.
سألت بهدوء وكأنني أطرق على باب خفي يفصل بيننا وبين أفكاره : "في حاجة؟"
أجاب بنبرة محايدة بارعة في اغلاق باب المشاعر : "مفيش"
فجأة قطع السكون بيننا رنين هاتفي.. كان المتصل سالم..
فتحت الخط و وضعت الهاتف على أذني وأجبت :
"الوو؟"
"براء الحق اختك"
أتى صوته متوترا وبه رائحة الخوف على عكس ما توقعت!. في الخلفية أصوات عديدة متنوعة معها صوت قهقهة استفز حواسي.
لكن في ذات الوقت تسارع نبضي حينما أدركت ان الموضوع يتعلق باختي روميساء..
أزدردت ريقي وبصوت حذر أجبت : "مالها؟"
"اصل بعيد عنك عملت لنا كشري وطلع معجن، وهي ضربتها الجنونة وكانت اول واحدة تضحك على طبختها"

يا له من موضوع غاية الخطورة!.

أردف سالم وقال بجدية : "من ساعتها وهي بقالها ساعة مش مبطلة ضحك، العيال خافو منها ومحدش مسيطر على الوضع فحسيت انك يمكن تدينا حل"

أخذت روميساء الهاتف من سد سالم وقالت بنبرتها الحادة الرفيعة المميزة التي تصم لها الأذن :
"ايوه يا براء! عزماك على طبق كشري هينسيك كل ضغوطاتك يا حبيبي"

همست في نفسي ضاغطا على ضروسي : "اكيد ما هو هيسد مخي"
أجبت : "ان شاء الله"
"يلا مستنياك يا حبيبي"


ثم  أغلقت الخط دون ان تنتظر مني اجابة. فرك اسر عينه وقال متثائبا  :
"في ايه؟"

استيقظت من شرودي في فكرة عزومة روميساء لي وقلت له مبتسما في نفسي : "اي رأيك... تحب تاكل كشري؟"
0 تصويتات

اترك تعليق

التعليقات

اكتب وانشر كتبك ورواياتك الأصلية الأن ، من هنا.